رغم أن مرض الوسواس القهري نفسي، إلا أن أسبابه بيولوجية وعضوية، ومازالت الأبحاث العلمية تتطور لتكتشف مزيداً من الأسرار المجهولة عنه، كما أن طُرق علاجه تتطور مع تزايد الاكتشافات الحديثة، ولهذا يجب ترك الأفكار والآراء الشخصية المبنية على الأوهام والاعتقادات الخاطئة، وعدم اعتبارها حقيقة تنفي وتتحدى الاكتشافات العلمية الحديثة، لأن التشبث بهذه الأوهام يزيد من مضاعفة آلام المريض ويعرقل طُرق العلاج السليم.
وهناك سوء فهم آخر شائع يتعلق بـكلمة "وسواس"، وهي ترجمة تقنية طبية ولا علاقة لها بالوسواس المستعمل في ثقافتنا الشعبية، ولا في الثقافة الدينية، إذ إن المعاني والمقاصد تختلف تماماً. فلننسى التعريف الشعبي المكتسب لكلمة وسواس ونُعرف الوسواس القهري كمرض لا علاقة له بالوسواس الشيطاني المذكور في الكتب الدينية والمتداول في الثقافة الشعبية.
الوسواس القهري رابع الأمراض النفسية الأكثر انتشارا في العالم، ويصيب 2 % من عموم الناس، وأعراضه كثيرة ومتنوعة، ويظهر في عدة أشكال، إلا أن الأعراض المهمة والمعروفة تظهر في صورة المراجعة والتدقيق المتكرر والقهري - الغسيل والتنظيف المتكرر والقهري- البحث عن التناسق التام - أفكار عدوانية وجنسية غير مرغوبة - العد القهري للأشياء - طقوس المحافظة على النظام والترتيب والتوازن الدائم - الاحتفاظ بالأشياء عديمة القيمة أو التخزين بلا معنى-النظافة المفرطة....
ويصيب هذا المرض الأطفال، ويبدأ مبكراً عند البالغين بنسبة 65 % قبل سن 25، وبنسبة 15 % بعد سن 35 سنة.
هذه الأفكار والسلوكيات المرضية في هذا المرض خارجة عن إرادة المريض، وتتم رغم وعيه تماماً بعبثية أفكاره وسلوكه؛ وعادة ما يحاول التحكم فيها وإخراجها من ذهنه والتخلص منها بشتى الوسائل، مثل اللجوء إلى الذكر الإلهي والإكثار من الصلاة، أو الانهماك في السفر وممارسة الرياضة، أو حتى في بعض الأحيان استعمال المخدرات. وبطبيعة الحال ينتهي الأمر بالعديد من المرضى إلى اللجوء إلى الفقهاء والاعتماد على الشعوذة. ولكن للأسف لا شيء من هذه الطرق باستطاعتها تخليص المريض من وساوسه القهرية، وهو ما يزيد من عذابه اليومي ويفقده الأمل ويرفع إحساسه بالذنب، وبالخصوص عندما يسمع من أقاربه هذه العبارات: "بَراكا من التْخْرْبيقْ مَتْفَكَرْشْ فْهادْشي وخاصْ تْكونْ عْندك الإرادة والإيمان راه غي الشيطان كيلعب بِك". ومع الوقت يرهق المريض من معاناته وتحبط مقاومته ويستسلم لسيطرة وساوسه ويقوم رغما عنه ببعض السلوكيات غير المنطقية ليستريح قسطاً من الزمان.
لقد رأيت في تجاربي بعض رجال الدين في بلدان غربية وكذلك بالمغرب يعانون من هذا المرض، بحيث تسيطر عليهم وساوس قهرية، بعضها جنسية وبعضها توحي لهم بأن لا وجود لله مثلا، أو أنهم سينطقون بكلمات جنسية أثناء الصلاة مع المصليين.
إن الوسواس القهري لا علاقة له بمستوى الإيمان، فهو يتسلط على المؤمن وعلى الملحد على حد سواء، وقد آن الأوان لنسقط من ثقافتنا الاعتقادات الشائعة بأنه وسوسة من الشيطان، لأنه لا علاقة له بالوسواس الذي ينبعث من شهوات النفس ومن النفس الأمارة بالسوء، بل هو مرض مستقل له أسباب عضوية.
كانت أسباب هذا المرض المؤلم والقاهر مخفية ولكن العلم الحديث توصل إلى كشف بعض أسرارها، ولازالت الأبحاث مستمرة في هذا المجال.
من الاكتشافات بخصوص مرض الوسواس القهري نجد:
1- خلل أساسي يقع في وظيفة الكتل العصبية القاعدية في الدماغ، التي لها تأثير كبير على السلوك.
2- خلل في تنظيم النقال العصبي "السيريتونين"، (الأدوية المنظمة للسيريتونين لها فاعلية أكثر من الأدوية التي تؤثر على إفراز الناقلات العصبية الأخرى).
3- خلل في جهاز المناعة، بحيث تم العثور لدى المرضى على "أجسام مضادة ذاتية" تتهجم على الكتل العصبية القاعدية بالدماغ، وتعطل وظائفها. وقد تكون هذه الأجسام المضادة الذاتية نتيجة الإصابة بجرثومة "سطريبطوكوك بيطا هيموليتيك" في سنوات الطفولة، ونتيجة الإهمال وعدم المعالجة تتمكن من ضرب الجهاز المناعي. ويحدث هذا بعد إصابة لوزة الحلق (لْحْلاقْمْ) بهذه الجرثومة، ومع غياب العلاج تصيب القلب والمفاصل أيضاً. وللأسف لازلنا في ثقافتنا نستخف من مرض "لحلاقم" ونعالجه بطرق تقليدية غير سليمة، علماً أن عواقبه وخيمة في جميع الحالات.
طرق العلاج مختلفة:
أ- باعتماد الأدوية المنظمة للسيريتونين والدوبامين نصل إلى تخفيف شدة الأعراض بنسبة 60 % والعلاج بصفة نهائية بنسبة 20%.
ب- الاعتماد على العلاج النفساني بالشراكة مع الأدوية يُحسن كثيراً من نتائج العلاج.
ت- اللجوء إلى طرق جديدة للعلاج يتم في الحالات التي تفشل فيها العلاجات بالأدوية والجلسات، وتوصف على حسب طبيعة كل حالة، فهي باختصار شديد كالتالي: جراحة الدماغ بدون فتح الجمجمة وتتم بأشعة "جما"، التحفيز الدماغي العميق والتحفيز الدماغي المغناطيسي.
مدة العلاج (حسب تجربتي المهنية):
أ- مرحلة البداية: علاج هذا المرض من أصعب العلاجات في الطب النفسي، إذ يستغرق عادةً وقتاً طويلاً قبل الحصول على بداية العلاج وبلوغ درجة مقبولة من تحسن الحالة الصحية، وهذه المدة تستغرق في أغلب الحالات ما بين 3 إلى 6 أشهر. وفي هذه المرحلة يغير الطبيب جداول العلاج أكثر من 3 مرات على الأقل لكي يحصل على نسبة 10% من التحسن.
ب- استمرار العلاج: عند الحصول على بداية علاجية يشرع الطبيب في تعديل جدول العلاج، ونحصل على 50 % من التحسن ما بين 6 إلى 8 أشهر، ويستمر اندثار الأعراض ببطء لنصل إلى العلاج الكامل بشكل مريح للمريض بين سنة وسنتين.
دور محيط المريض:
دور أقرباء المريض مهم للغاية ويساهم في سرعة العلاج، وعليهم أن يتواصلوا بشكل وثيق مع الطبيب المعالج لكي يطلعوا على نوع هذا المرض ودورهم في المساعدة العلاجية؛ كما يجب عليهم أن يتجنبوا "النصائح المؤلمة" التي يقدمونها بحسن نية دون إدراك لعواقبها مثل:
- اِوا قاوم راسك بْراسك
- اوا صلي وقْرا القرآن
- اِوا الواحْد خَصْ يكون عْندو الايمان قوي
- اوا خْرْجْ من راسك هاد الوسواس
- متفكرش فهاد الوسواس
- وهيِ نْتِ دْخْلتي فْرَسْك هاد الوسواس
يجب أن يعلم الأقرباء أن هذه النصائح تزيد عذاب المريض وتجعله يشعر بالذنب وبأنه ضعيف الشخصية.
كما يجب ألا ننسى أن هذا مرض بيولوجي ولا سلطة للمريض عليه، وهو ضحية بنسبة 100 % للوسواس القهري.
كما على المحيط أن يشجع المريض على اتباع العلاج حتى لو لم يصل إلى أي نتيجة منشودة في الشهور الأولى.
أما بالنسبة للجوء إلى طلب العون والشفاء من الله فهذا أمر محمود ولا شك فيه، لكن دون إهمال الأخذ بالأسباب والمواظبة على مراقبة تطبيق الجداول العلاجية.
*طبيب وأخصائي نفساني
from جريدة إلكترونية أخبار الشمال مغربية : الأخبار http://ift.tt/2flEoxd
via IFTTT