أم بضواحي تاونات "تحتجز" بناتها 30 سنة خشية "العين"

قصة غريبة يصعب تقبلها من الوهلة الأولى، لكن حينما يتم تأكيدها من طرف العديد ممن عايشوها عن قرب لسنوات، لا يبق أمام المنصت إليها إلا الاستسلام وتصديق تفاصيلها التي تهز المشاعر الإنسانية. الأمر يتعلق بفرض أم "الإقامة الجبرية" على بناتها الثلاث لفترة تزيد عن 30 سنة.

فصول هذه القصة تدور رحاها بجماعة عين مديونة، ضواحي مدينة تاونات، جماعة قروية تكسوها خضرة الغابات من كل جانب، طبيعة خلابة تشد عين الناظرين، غير أنها تخفي بين أحضانها حكاية غريبة تجري في بيت قروي متواضع كائن بدوار "كزناية"، عنوانها "ثلاثون سنة من العزلة خوفا من العين المتربصة".

"العين" والحسد وراء "الاحتجاز"

رغم أن واقعة "الاحتجاز" تمتد لعقود، إلا أن تفاصيلها ظلت حبيسة جماعة عين مديونة، تلوكها الألسن ويتناقلها سكان المنطقة في ما بينهم، حتى غدت أمرا لا يثير الفضول، قبل أن يبادر الناشط الجمعوي عبد الرحيم المزيوني، مؤخرا، إلى تقاسم القصة على الفضاء الأزرق "فيسبوك" من خلال تدوينة مقتضبة له دعا فيها إلى ضرورة فعل شيء ما في الموضوع؛ إشارة التقطتها فعاليات المجتمع المدني بالمنطقة، وسارعت إلى التحرك.

"هن ثلاث بنات، إضافة إلى شقيقهن، عمرهن ما بين 30 و45 سنة، لم يسبق لهن الذهاب إلى المدرسة أو اللعب مع أقرانهن بالدوار، البنات ممنوع عليهن الاختلاط بالناس، أما الابن يسمح له بمرافقة والدته إلى الخارج"، يقول خالد السدجاري، رئيس جمعية أجيال صنهاجة بعين مديونة في تصريح لهسبريس.

وأردف: "كانت هذه الأم، بحسب ما يحكي سكان المنطقة، تُرزأ في أولادها في سن مبكرة. ولتفادي تكرار ذلك، اختارت أن تجنب مواليدها الجدد نظرات الناس حتى تحميهم من (ضربة العين) والحسد، اعتقادا منها أنهما سبب عدم بقاء أولادها على قيد الحياة".

الناشط الجمعوي ذاته ذكر أن هذه الأم كانت دائما ترفض التدخل من طرف الجيران وأفراد عائلتها في أمر احتجاز بناتها، ما وتر علاقتها مع الجميع، مضيفا أنه تمت الإشارة في عقود ازديادهن إلى أن أعمارهن تتراوح ما بين 32 سنة و27 سنة، وهو أمر مستبعد، بحسبه، مستندا في ذلك إلى أن تضمينهن سجلات الحالة المدنية لم يكن إلا سنة 2003؛ حيث لم تتم الإشارة، على حد قوله، حينها إلى أعمارهن الحقيقية التي قد تكون أكبر من ذلك.

ماذا يجري خلف الأبواب المغلقة؟

"يحز في أنفسنا احتجاز البنات الثلاثة، همنا هو إخراجهن إلى الوجود ليعشن حياة طبيعية ويكتشفن العالم من حولهن. إنها حقا حالة يرثى لها"، يؤكد عبد الرحيم المزيوني، رئيس جمعية اولاد عبد الله للتنمية بعين مديونة، في لقاء له بهسبريس، الذي ألح على الجريدة ضرورة الانتقال إلى دوار "كزناية" لاكتشاف البيت الذي تعيش داخله البنات "المحتجزات".

بيت من الطين أقرب إلى كوخ، له باب يطل على حظيرة للماشية، يعمه صمت مطبق، حتى يخال المرء أنه مسكن مهجور، أوصدت الأم بابه بإحكام لترافق ابنها إلى سوق أربعاء عين مديونة، غير البعيد عن منزلها، قصد حمل ما جمعته من خضر تخلص منها الباعة برحبة السوق الأسبوعي، مستعينة في ذلك بحمارها الذي يسوقه نجلها على قارعة الطريق، وهي ترقبه مقتفية خطاه عن قرب.

"لا نعرف ما يجري داخل هذا المنزل، الذي لم يسبق أن دخل إليه أحد"، يشير الفاعل الجمعوي عبد الرحيم المزيوني، الذي أكد أن أم البنات الثلاث تقوم بإقفال باب المنزل بإحكام كلما خرجت منه لجمع الكلأ أو لحمل الماء أو الذهاب إلى السوق؛ "لا نعرف انطباعات البنات حول هذا العالم"، يؤكد المتحدث الذي ذكر أنه يحكى أنه كان للأم ابنا آخر، لما أخرجته من المنزل، ظل يجري دون توقف، حتى سقط صريعا؛ "هذه الحادثة ربما قد تكون زادت من تشبث الأم بفكرة عزل بناتها لتجنبهن الإصابة بالعين، وحتى لا يلقين مصير شقيقهن".

الناشط الجمعوي ذاته ذكر أن "المحتجزات" غادرن أسوار منزل أسرتهن في مناسبتين فقط؛ واحدة لإنجاز بطاقة التعريف الوطنية، وأخرى للقاء قائد المنطقة إثر شكاية تقدم بها خالهن في شأن احتجازهن؛ "نحن كمجتمع مدني، نطالب بإخراج هؤلاء البنات من سجنهن حتى يتسنى إدماجهن في المجتمع، وحتى نتمكن من تقديم العون لهن في الاستفادة من حقهن في التطبيب، خصوصا النفسي"، يقول المزيوني الذي ناشد السلطات المحلية ومختلف الجمعيات مؤازرتهم لتحقيق ذلك.

بوشتى المنصور، جار لأسرة البنات الثلاث بدوار "كزناية"، وصف، في لقائه بالجريدة، هذه الحالة بالقديمة والغريبة، وأبرز أن جيران هذه العائلة لا يعرفون أي شيء عن هؤلاء الفتيات لكونهن، بحسبه، لا يغادرن أسوار البيت ويتجنبن لقاء الناس، مقدرا عمر البنت الكبرى بحوالي 45 سنة؛ "الابن يُسمح له بالخروج، البنات لا. قد تكون الأم مصابة بمرض نفسي وتخاف على بناتها من العين والحسد. نحن كجيران نطالب بخروج هؤلاء البنات إلى المجتمع. إذا توفيت أمهن، كيف سيتدبرن أمرهن؟ هذا أبسط شيء"، يقول المنصور.

حالة إنسانية تفرض التدخل

أجمع النشطاء الجمعويون، الذين التقتهم هسبريس بجماعة عين مديونة، على ضرورة التدخل العاجل من أجل "تحرير" هؤلاء البنات من الحصار الذي يقبعن تحت وطأته، وأكدوا أنهم لا يعرفون شكل ونمط حياة الفتيات الثلاث داخل أسوار بيت أسرتهن.

المهدي الخالدي، فاعل جمعوي بعين مديونة، توقف، في حديثه مع هسبريس، عند الوضعية الاجتماعية لأسرة الفتيات "المحتجزات"، التي وصفها بكونها جد مزرية، وقال: "هذه الأسرة ليس لها أي مورد رزق، الأم مسنة وهي من تتكفل بأبنائها".

وذكر أن رب هذه الأسرة، الذي توفي مؤخرا، كان يشتغل، قيد حياته، حدادا، وأوضح أن الناس تعذر عليهم تقديم العزاء لبناته جراء تعمد الأم إغلاق الباب في وجه المعزين، موردا: "لقد سلمت الأم جثة زوجها لشقيقها ليتكفل بمراسيم دفنه، حتى تتجنب دخول الناس إلى بيتها ولقائهم ببناتها".

الناشط الجمعوي ذاته ذكر أن فعاليات محلية التقت، بداية الأسبوع، بقائد عين مديونة لتطرح عليه هذه الحالة الإنسانية، وأكد لها في رده أنه لا يمكن له التدخل إلا بعد التقدم بشكاية للنيابة العامة المختصة، والتوصل بأمر منها لأجل اتخاذ المتعين، وقال: "نتمنى أن يتم تحرير هذه الأسرة من الوضع الذي تعيش فيه. كما سمعتم، حتى جيران الأسرة يؤكدون أنهم لم يسبق لهم أن شاهدوا هؤلاء البنات. نتطلع إلى أن تذهب الأمور في الاتجاه الصحيح".

وعلمت هسبريس أن فعاليات من المجتمع المدني بمنطقة عين مديونة ستتقدم بكتاب في الموضوع إلى وكيل الملك بالمحكمة الابتدائية بتاونات قصد استصدار أمر مستعجل للتحقيق في هذه النازلة. وقال حفيظ المسعودي، خليفة رئيس جماعة عين مديونة، في تصريح لهسبريس، إنه "استنادا إلى ما يروج حول حالة أم تحتجز أبناءها فوق تراب الجماعة، فإن مكتب المجلس، بحكم اختصاصه كشرطة إدارية، يستعد لمراسلة السلطات المختصة للقيام بالواجب في هذا الموضوع




from جريدة إلكترونية أخبار الشمال مغربية : الأخبار http://ift.tt/2pCkFMl
via IFTTT

مقالات ذات صلة

Previous
Next Post »